مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )

19

حياة محمد ورسالته

بعثهم اللّه إلى مختلف الشعوب بين فترة وأخرى كانتا قد تلاشتا بالكلية بسبب من تطاول الأحقاب والأزمان . لقد كانت جميع شعوب الأرض محرومة ، لذلك العهد ، من حالة الحضارة الحقيقية . وإنما انبعثت هذه الكلمات من فم رجل كان ، من غير ريب ، أميا بكل ما في الكلمة من معنى . وهذا الرجل لم تتح له أية فرصة للضرب في أرجاء العالم لكي يدرس أحوال البلدان المختلفة ، لا ولم يكن في ميسورة ان يفيد من مثل نظام الإعلام العصري الذي كان خليقا به [ لو عرف في تلك الأيام ] ان يعرّفه إلى حال العالم في ذلك الزمان . ومع ذلك ، فأن نظرة إلى صفحات التاريخ تعزّز صدق ذلك التوكيد على نحو رائع . فباستثناء هذه الواقعة التي تقول بأن اوروبة عرفت إمبراطورية جبارة في الجزء الجنوبي الشرقي منها - إمبراطورية رومة النصرانية - كانت الديار الأوروبية غارقة في حال من البربرية بالمعنى الحرفي للكلمة . وكانت آسية ، من بين القارّات جميعا ، هي مهد الحضارة في عهد ما . ولكن أيما دراسة لمختلف البلدان التي تؤلف مهد الفلسفات والأديان هذا لتظهر أن الفسوق المحض كان ههنا ، شأنه في أيّ مكان آخر ، هو القاعدة الغالبة . والهند ، التي كانت ذات يوم مركز الثقافة الشرقية القديمة ، تبد هنا بالصورة الرهيبة نفسها . كانت أشياء شنيعة ، وضيعة ، شائنة تعزى حتى إلى ما كان الناس يعتبرونهم أنصاف آلهتهم . كان الشرّ قد استبدّ بهم إلى درجة جعلتهم يصوّرون ، حتى الأطهار الأعفّة ، في ألوان قاتمة . وكانت فارس والصين ، أيضا ، تترديّان في الحمأة نفسها . ولعل مردّ ذلك إلى أن قرونا متطاولة تقضّت على ظهور آخر الاشخاص الأطهار الصالحين ، وان الاصلاح والحضارة القديمين - إذا وجدا - كانا قد ضعفا تدريجيا ، وانتهيا آخر الأمر إلى الزوال . يقول القرآن الكريم : « أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ